محمد جواد مغنية

251

في ظلال نهج البلاغة

موقف الإمام من الخوارج : أشار الإمام ( ع ) في هذه الخطبة إلى الخوارج ، ولذا نمهد لها بكلمة موجزة عن موقفه وسياسته معهم : لقد تكلم الشارحون عن حرب الخوارج ومروقهم ، وأطال المؤرخون الحديث عن أحوالهم ، ووضع فيهم العديد من المؤلفات ، ومن أحب معرفة التفاصيل فليرجع إليها والى أقوال شارحي النهج . . وغرضنا الآن أن نشير إلى موقف أمير المؤمنين ( ع ) منهم ، ويتلخص بأنه حاول جهد المستطاع أن لا يهيجهم في شيء . ومن جملة ما قال لهم : ألم أقل عند رفع المصاحف : ان معاوية ورهطه ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، وانما هم يكيدون ويخدعون ويتقون حر السيف . فأبيتم إلا إيقاف القتال والكف عنه ، وإلا التحكيم ، وإلا الأشعري . . فرضيت مكرها خوف الفتنة ورضوخا لأهون الشرين . . وأيضا قلت لكم بعد التحكيم : لقد أخذنا على الحكمين العهد بأن يحكما بما في كتاب اللَّه ، فإن وفيا فذاك ، وإلا استأنفنا القتال . فقالوا للإمام : لقد أخطأنا وكفرنا ، فاشهد أنت على نفسك بالكفر ، وتب إلى اللَّه كما تبنا ، ونحن معك وإلا فبيننا وبينك السيف . فقال لهم الإمام ( ع ) : أبعد ايماني باللَّه وجهادي مع رسول اللَّه ( ص ) أشهد على نفسي بالكفر . لقد ضللت اذن ، وما أنا من المهتدين . . ويرجح في الظن ان الإمام لو استجاب لهم لقالوا : نحن لا نريد إماما يكفر ويتوب ، أو قالوا : لقد أضمرت غير ما أظهرت ، وانك على ما أنت . حكم الخوارج بكفر الإمام ، واستباحوا دمه ، وقالوا له بصراحة : « ليس بيننا وبينك إلا السيف » . . ومن هنا أسماهم الرسول الأعظم ( ص ) بالمارقين من الدين . . ومع هذا كله لم يغضب الإمام ، ولم يبدأهم بالقتال ، بل نهى عن قتالهم وقال : « لا تقاتلوا الخوارج بعدي ، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه » . . يشهد الإمام لعدوه الذي كفّره وأباح دمه وأعلن حربه وقال له : لا شيء لك عندي إلا السيف ، يشهد علي لعدوه هذا اللدود انه طالب حق . . ولا أدري : هل عرف التاريخ انسانا أنصف عدوه من نفسه وصبر عليه كعلي بن أبي طالب . وهنا يكمن السر في حب القلوب له وتعلقها به ، حتى القلوب القاسية والجاحدة . . وقال الإمام أيضا : لا نمنع الخوارج الفيء : ولا نهيجهم ،